الخطيب الشربيني

352

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الصلاة والسلام إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها ، وعكفت الطير عليه من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك وقيل : كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح ، وقيل : كان داود إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطا له . وقال وهب بن منبه : كان يقول للجبال سبحي ، وللطير أجيبي ، ثم يأخذ في تلاوة الزبور بين تلك بصوته الحسن فلا يرى الناس منظرا أحسن من ذلك ، ولا يسمعون شيئا أطيب منه ، وذلك كما : « كان الحصى يسبح في كف نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ، وكف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما » « 1 » وكما : « كان الطعام يسبح في حضرته الشريفة وهو يؤكل » « 2 » ، وكما : « كان الحجر يسلم عليه وأسكفة الباب وحوائط البيت تؤمن على دعائه » « 3 » ، و « حنين الجذع مشهور » « 4 » ، وكما : « كان الضب يشهد له » « 5 » و « الجمل يشكو إليه ويسجد بين يديه » « 6 » ونحو ذلك ، وكما : « جاء الطائر الذي يسمى الحمرة تشكو الذي أخذ بيضها ، فأمره النبي صلّى اللّه عليه وسلم برده رحمة لها » « 7 » . ولما ذكر تعالى طاعة أكثف الأرض وألطف الحيوان الذي أنشأه الله تعالى منها ، ذكر سبحانه وتعالى ما أنشأه من ذلك الأكثف ، وهو أصلب الأشياء بقوله تعالى : وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أي : الذي ولدناه من الجبال جعلناه في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة ، وذلك في قدرة الله تعالى يسير ، وكان سبب ذلك ما روي في الأخبار أن داود عليه السّلام لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكرا ، فإذا رأى رجلا لا يعرفه تقدم إليه يسأله عن داود ويقول له ما تقول في داود ، وإليكم هذا أي رجل هو فيثنون عليه ويقولون خيرا ، فقيض الله تعالى له ملكا في صورة آدمي فلما رآه داود تقدم إليه على عادته يسأله فقال الملك : نعم الرجل هو لولا خصلة فيه فراع داود ذلك وقال : ما هي يا عبد الله ؟ فقال : إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال قال : فتنبه لذلك وسأل الله تعالى أن يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال يتقوت منه ويطعم عياله ، فألان الله له الحديد وعلمه صنعة الدروع ، وإنه أول من اتخذها يقال : إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم فيأكل ويطعم منها عياله ، ويتصدق منها على الفقراء والمساكين

--> ( 1 ) انظر حديث تسبيح الحصى بين يديه صلّى اللّه عليه وسلم عند أبي داود في الوتر باب 24 ، والترمذي في الدعوات باب 113 . ( 2 ) روي الحديث بلفظ : « كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل » أخرجه البخاري في المناقب باب 25 ، والدارمي في المقدمة باب 5 ، وأحمد في المسند 1 / 460 . ( 3 ) روي الحديث بلفظ : « إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ » أخرجه مسلم في الفصائل حديث 2 ، والترمذي في المناقب باب 3 ، والدارمي في المقدمة باب 4 ، وأحمد في المسند 5 / 89 ، 95 ، 105 . ( 4 ) انظر حديث حنين الجذع عند البخاري في المناقب باب 25 ، والترمذي في الجمعة باب 10 ، والمناقب باب 6 ، والنسائي في الجمعة باب 17 ، وابن ماجة في الإقامة باب 199 ، والدارمي في المقدمة باب 6 ، والصلاة باب 202 ، وأحمد في المسند 1 / 249 ، 267 ، 315 ، 363 ، 3 / 226 ، 293 ، 295 ، 306 ، 324 ، 5 / 139 . ( 5 ) انظر حديث شهادة الضب له صلّى اللّه عليه وسلم عند ابن كثير في البداية والنهاية 6 / 151 - 152 . ( 6 ) انظر حديث « البعير الناد وسجوده له صلّى اللّه عليه وسلم وشكواه إليه صلّى اللّه عليه وسلم » عند ابن كثير في البداية والنهاية 6 / 138 - 145 . ( 7 ) انظر حديث الحمرة عند ابن كثير في البداية والنهاية 6 / 153 - 154 .